لبيب بيضون
223
موسوعة كربلاء
الحسين عليه السّلام وحجّ الناس من قابل ، دخلت على علي بن الحسين عليه السّلام فقلت له : يا مولاي ، قد قرب الحج ، فماذا تأمرني ؟ . فقال عليه السّلام : امض على نيّتك وحج . فحججت ، فبينما أطوف بالكعبة ، وإذا ( أنا ) برجل مقطوع اليدين ، ووجهه كقطع الليل المظلم ، وهو متعلق بأستار الكعبة ، ويقول : اللّهم رب هذا البيت الحرام ، اغفر لي وما أحسبك أن تفعل ، ولو تشفّع فيّ سكان سماواتك وأرضيك وجميع ما خلقت ، لعظم جرمي . قال سعيد : فشغلت وشغل الناس عن الطواف ، حتى حفّ به الناس ، واجتمعنا عليه ، فقلنا : يا ويلك ! لو كنت إبليس ما ينبغي لك أن تيأس من رحمة اللّه ، فمن أنت وما ذنبك ؟ . فبكى وقال : يا قوم ، أنا أعرف بنفسي وذنبي وما جنيت . فقلنا له : تذكره لنا . فقال : كنت جمّالا لأبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام لما خرج من المدينة إلى العراق . وكنت أراه إذا أراد الوضوء للصلاة يضع سراويله عندي ، فأرى تكّة تغشى الأبصار بحسن إشراقها ، وكنت أتمناها أن تكون لي ، حتى صرنا بكربلا وقتل الحسين عليه السّلام وهي معه . فدفنت نفسي [ أي اختبأت ] في مكان من الأرض . فلما جنّ الليل خرجت ( من مكاني ) فرأيت في تلك المعركة نورا لا ظلمة ، ونهارا لا ليلا ، والقتلى مطروحين على وجه الأرض ( فذكرت لخبثي وشقاوتي التكّة ، فقلت : والله لأطلبنّ الحسين ، وأرجو أن تكون التكة في سراويله ، فآخذها ) . ولم أزل أنظر في وجوه القتلى حتى أتيت إلى الحسين عليه السّلام فوجدته مكبوبا على وجهه ، وهو جثة بلا رأس ، ونوره مشرق ، مرمّل بدمائه ، والرياح سافية عليه . فدنوت منه وضربت بيدي إلى التكة ( لآخذها ) ، فإذا هو قد عقد لها عقدا كثيرة ، فلم أزل أحلّها حتى حللت عقدة منها . فمدّ عليه السّلام يده اليمنى وقبض على التكة ، فلم أقدر على أخذ يده عنها ( ولا أصل إليها ) فدعتني نفسي الملعونة أن أقطع يده . فوجدت قطعة سيف مطروح ، فأخذتها ( واتّكيت على يده ) فلم أزل أحزّها حتى فصلت يده عن زنده ، ثم نحّيتها عن التكة . ومددت يدي إلى التكة ثانيا لأحلّها ، فمدّ يده اليسرى ( فقبض عليها ) ، ففعلت بها ما فعلت باليمنى . ثم مددت يدي إلى التكة ( لآخذها ) ، فإذا الأرض ترجف والسماء تهتزّ ، وإذا ببكاء ونداء ، وقائل يقول : وا ابناه ، وا مقتولاه ، وا ذبيحاه ، وا حسيناه ، وا غربتاه . يا بنيّ قتلوك وما عرفوك ، ومن شرب الماء منعوك ! .